أنا البحرُفي أحشائه الدرّ كامنٌ فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
بيت نظمه الشاعر حافظ إبراهيم مجّد به واقع اللغة العربية الفصحى ،فهل ما تزال هذه اللغة بحراً مليئاً بالكنوز و الدرر الثمينة ؟.
البعض يقول أن هذا البحر هدأت أمواجه و نضبت محتوياته ،وفي ظل واقع مرير تعيشه الأمة العربية لا بد أن تكون له إرهاصات وظلال على لغة الضاد ،بعد أن تنكر لها البعض، و اعتبروا استخدامها جموداً فكرياً وتكبيلاً بأغلال ماضٍ غابر أكل الدهر عليه وشرب، فأنكروها كلغة حداثية وصنفوها لغةً قديمة لا تصلح للحاضر.
لكن هل ذلك صحيح؟ وكيف يمكن لناطق بالعربية أن يقلب لها ظهر المجن؟ ويفضّل عليها لغات غربية دخيلة، أو لهجات عامية محكية، وإن كان ذلك بسبب خيبات الأمل و المعاناة من واقع عربي ثقافي و إجتماعي يمر بفترات حالكة السواد حيث لجأ البعض إلى كلمات أجنبية كنوع من التباهي الثقافي و الاجتماعي، والانسلاخ عن خلفية اجتماعية لا يرغبون بالانتماء إليها ،مع العلم أن اللغة هي هوية الأمة و قلبها النابض، فكيف يمكن لأمة أن تحيا و قلبها مصاب بالعلل؟ في وقت علت فيه أصوات تعتبر العربية الفصحى لغة قديمة، ولا تصلح لمواكبة التقدم التكنولوجي و الحضاري، متناسية أن الغرب بنى نهضته و استقى حضارته من ملايين المخطوطات العربية التي شملت جميع العلوم من الطب و الفيزياء و غيرها، وذلك ما اعترف به خيرة مستشرقي أوروبا و نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر قول الفرنسي لويس ماسينيون : ( اللغة العربية هي التي أدخلت في الغرب طريقة التعبير العلمي ، والعربية من أنقى اللغات ، فقد تفردت في طرق التعبير العلمي والفني).
وفي عصر العولمة واختراق الحدود ،لا تزال العربية الفصحى لغة قادرة على موجهة تحديات و متغيرات العصر كلغة القرآن الكريم ،التي تميزها السلاسة و الوضوح ،والقدرة على ربط الماضي بالحاضر رغم كل ما تمر به من نكسات و محن.
و كلغة تسجل إبداعات الشعر و المسرح والإنتاج العلمي و الأدبي، اعترف بها كإحدى اللغات الست الرسمية في الأمم المتحدة تقديراً لدورها العظيم، و تخليداً لإبداعات الثقافة العربية التي خطتها أقلام جهابذة اللغة و الأدب العربي الفصيح، الذي لا يزال مقراً لنفائس اللغة الفصحى و أسرارها المكنونة.
وليس هناك أبلغ من الأدب الفصيح للتعبير عن مشاعر النفس البشرية بما يحتويه من مفردات و تعابير خلابة تعكس بكل صدق الواقع اليومي، وتخرج الأحاسيس المكبوتة للعلن راسمة لوحات تعجز عن رسمها أنامل عظماء الفن، وهل هناك أفضل من الأدب الفصيح لسبر خبايا النفس البشرية و الغوص في أعماقها في عالم أصبح رهينة الماديات و المصالح.ومع كل ما تعرضت له اللغة العربية الفصحى و تتعرض له ،لا تزال حجر الأساس في نهضة و تطور الأمة العربية، ولا يزال الأدب الفصيح المشكاة المشعة نوراً التي تنير طريق الأجيال القادمة.
كلام رائع وجميل
ردحذف